أبو حامد الغزالي
254
تهافت الفلاسفة
كونه قائما بالبدن ، فإن استثناء « عين التالي » لا ينتج ، فإنا نقول : إن كانت القوة العقلية قائمة بالبدن ، فيضعفها ضعف البدن بكل حال ، والتالي محال ، فالمقدم محال ، وإذا قلنا التالي موجود في بعض الأحوال ، فلا يلزم أن يكون المقدم موجودا . ثم السبب فيه ، أن النفس لها فعل بذاتها ، إذا لم يعقها عائق ، ولم يشغلها شاغل ، فإن للنفس فعلين : - ( ا ) فعل بالقياس إلى البدن ، وهو السياسة له ، وتدبيره . ( ب ) وفعل بالقياس إلى مبادئه ، وإلى ذاته ، وهو إدراك المعقولات . وهما متمانعان متعاندان ، فمهما اشتغل بأحدهما ، انصرف عن الآخر ، وتعذر عليه الجمع بين الأمرين . وشواغله من جهة البدن ، الإحساس ، والتخيل ، والشهوات ، والغضب ، والخوف ، والغمّ ، والوجع ، فإذا أخذت تفكر في معقول ، تعطلت عليك كل هذه الأشياء الأخر ، بل مجرد الحس ، قد يمنع من إدراك العقل ونظره ، من غير أن يصيب آلة العقل شئ ، أو يصيب ذاتها آفة ، والسبب في كل ذلك اشتغال النفس بفعل عن فعل ، ولذلك يتعطل نظر العقل عند الوجع ، والمرض ، والخوف فإنه أيضا مرض في الدماغ . وكيف يستبعد التمانع في اختلاف جهتي فعل النفس ؟ ! ، وتعدد الجهة الواحدة ، قد يوجب التمانع ، فإن الفرق يذهل عن الوجع ، والشهوة عن الغضب ، والنظر في معقول عن مقعول آخر . وآية أن المرض الحال في البدن ، ليس يتعرض لمحل العلوم ، أنه إذا عاد صحيحا ، لم يفتقر إلى تعلم العلوم من رأس « 1 » ، بل تعود هيأة نفسه كما كانت ، وتعود تلك العلوم كما كانت بعينها ، من غير استئناف تعلم .
--> ( 1 ) يعنى « من جديد » .